الرئيسية أدب رحلة الوجع و الألم

رحلة الوجع و الألم

moda 365
رحلة الوجع و الألم
واتساب ماسنجر تلجرام

بقلم/نهى عراقي (قصة قصيرة)

كانت رحلة صعبة مليئة بالوجع و الألم و تجاعيد الحزن

كعادتها متألقة و مبهجة و في قمة أناقتها وسحرها وطلتها الجذابة  حينما دخلت قاعة الأفراح التي  بها زفاف إبنة إحدى صديقاتها التي كانت معها منذ سنوات في إحدى الدول الأوروبية، و كان معظم المدعوين و المدعوات منهم صديقات الغربة، فقد قمن و التففن حولها لتقديم التحية و الأشواق و فرحتهن برؤيتها و إعجابهن بجمالها الذي يزاد مع تقدم العمر و أنها مازلت بنضارتها و أناقتها  و إبتسامتها التي طالما عرفوها بها سنوات طويلة، رغم كل ما مرت به من عثرات و أنكسارات.

جلست فريدة وسط الإحتفال و البهجة… لكتها سرحت و شردت بعيدا  وكأنها حلقت في الفضاء أو إنتقلت عبر رحلة من الزمن عادت بذاكرتها البعيدة  لأكثر من عشرين عاما وتذكرت ما حدث معها في عام واحد مالم يحدث مع إنسان في عشرين عاما،  من وفاة أمها و خراب بيتها، و إنهيار مادي لعائلتها، وإنقلاب حياتها رأسا على عقب.

و تذكرت أول وهلة عندما وطأت قدمها تلك البلد الاوروبية الساحرة بلد الإغتراب بصحبة زوجها، و تلك اللغة التي لم تفهما مما جعلها تشعر بالغربة.

  تتذكر روعة الأماني و الأحلام التي رسمتها ولونتها بأجمل الألوان لمستقبل مشرق و حياة وردية، وكم أنها كانت خيالية و أن الخذلان كان هو مكافأتها في نهاية طريق الكفاح.

و تركها لأهلها ووطنها الحبيب،  و أمها الحنون،  تركت كل شئ لتكون بجانبه في الغربة و كانت معها طفلتهمالوحيدة تبلغ من العمر ثمانية أشهر وكان عمرها هى عشرون عاما، لم تكمل دراستها ولم تتقدم لأي عمل فهو لا يريد ذلك، تركت كل شئ من أجله وأجل بيتها، لتكون بجواره في تلك البلد الغريب.
فهو الزوج الذي تمناها و فعل الأفاعيل لكي يفوز بها و يتزوجها.

وتتنهد و تأخذ نفساً عميقاً  و تتذكر حينما قدمت له حُليها من أجل تكاليف  السفر لكي يسافر و يبني مستقبلا أفضل و حياة سعيدة،  و سافر و اكرمه الله بالحصول على إقامة لتلك البلد و بعد عام من سفره أقدم على إرسال دعوة لها و للطفلة كي يسافرا إليه و قد كان لهما ما تمنوا.

تتذكر كل أيام الغربة بحلوها و مرها و الظروف الصعبة التي مرت عليهم هناك وأيضا الظروف السعيدة.. و الطفلة تكبر وتكبر حتى وصلت سن السادسة عشرة كانت إبنتها  الوحيدة فهى لم ترزق غيرها إرادة الله عز وجل،  تتذكر عندما عرضت عليه الزواج من أخرى و كل منهما يذهب لحاله حتى يُنجب إذا شاء رفض الزوج بكل إصرار.

قالت له مازلنا في سن صغيرة كل منا أمامه الحياة لكنه أعلن أنه متمسك بها،  و لم يُرد إمرأة غيرها في حياته قالت له لن أعرض عليك مرة أخرى لكن إذا حدث يوما ما سيكون الحساب لن تتوقعه،  و اكملت معه رحلته من الكفاح و مراحل إنكسارات و خسائر و أحيانا مكاسب و إنتصارات حتى اكرمه الله في النهاية ورزقه رزقا واسعا، وهنا بدأ المعدن يتبلور شيئا فشيئا  فالشئ يعود دائما لأصله، بدأ يسمح لأخيه الأكبر بالتدخل في حياتهما  ويكتب بإسمه كل شئ حتى الشقة التي إشتروها أيام الغربة و كذلك  السيارة أيضا و أرض  تقدر بالملايين، و هى و إبنتها لا يملكون خردلة  منكرا حقها و حق إبنتها وهى تضغط على حالها و تتحمل أفعاله الغير مفهومة أو محسوبة.

كانت ترى بخله عليها طيلة تلك السنوات لكنها كانت تتحمل حتى تمر الحياة من أجل إستقرار نفسية إبنتها، ثم كانت المكيدة حينما أقنعها أن تعود للوطن حتى تتمكن إبنتهما من إكمال دراستها هناك و عندما عادت عاد بعدها و بحيلة و دهاء أخذ منها ميراثها من والدها على سببل السلف حتى ما تبقى معها من حُلى كان أخيها قد  أهداها إياه، و طلب منها الإقامة الأوروبية بحجة أنه سوف يقدم على سكن جديد وأنه سيرسلها لها مع أحد الأصدقاء بكل سذاجة منها أعطته كل ما طلبه، ثم قام بإفتعال مشكلة و همية وترك المنزل و ذهب عند أخيه و بعد محاولات منها حتى يعود و ذهبت إليه وعاد معها لمدة ليلة و احده و كانت آخر ليلة.

فوجأت به في الصباح يغادر البيت ثانيا و بعد أيام قليلة علمت أنه تزوج و تركها و إبنتها دون نقود أو مصاريف و كانت و الدتها مازالت على قيد الحياة كانت تساعدها ماذا تفعل بعد كل ذلك العمر و سنوات بعيدة عن الوطن ماذا لها أن تعمل لم تجرب العمل في حياتها.

و يعيش هو حياته حيث  أنجب، « ثم تزوج مرة أخرى » و لم يعر إهتماما أن إبنته على مشارف مفترق الطرق في تحديد مستقبلها الدراسي و كانت في الثانوية العامة و تحمل نفقاتها
و لا يكتفي بذلك فقد قام بطردها من مسكن الزوجية و معها إبنتها، فعادت لبيت أهلها، و إنقطعت الإبنة عن دراستها.

إضطرت لرفع دعوى خلع حتى تتمكن من الحصول على معاش والدها، كل تلك الأحداث تتذكرها فريدة  تتذكر عندما خرجت للحياة كي تعمل بجانب المعاش حتى تلبي إحتياجات إبنتها و كم من أهوال الحياة و ذئاب البشر التي لا ترحم، حتى والدتها توفت،  و تمر السنوات وهو لا يعرف شيئا عن إحتياجات إبنته النفسية و المادية كل ما يفكر به أنها رفضت أن تعيش مع زوجاته، و أنه حاول أن يعود لفريدة مرة أخرى لكنها آبت،  فكان يعاقب إبنته بإهماله،  ويطردها من جنته كما يخيل له.

لم يتوقع قوة فريدة و إرادتها في مواجهة الحياة وحدها، فقد أكملت دراستها، و صارت طلاطم أمواج الكد والتعب ولم تنحني و لم تتنازل عن كرامتها، و أتمت إبنتها دراستها الجامعية ، دون الإحتياج له.

إلى أن آتى اليوم المعلوم و طلب أن يرى إبنته لأخر مرة في عمره فقد أصيب بمرض الموت و دخل العناية المركزة وكان يبكي و يقول أريد أن أرى إبنتي أول فرحتي،  وعندما ذهبت الإبنة لم يشعر سوى بصوتها لم يرها فتبسم و أمسك يدها في ضعف، و فاضت روحه لخالقها، مما أبكى الأطباء من الموقف و صرخة  الإبنة  المدوية التي هزت أرجاء المستشفى، وهى منهارة و تنادي عليه بابا يا بابا كنت وحشني،  ثم اتصلت بإمها وأبلغتها الخبر، فذهبت مسرعة إليها و كان ترتيب الله أن تمشي فريدة وراءه إلى بيته  لا أحد من  زوجاته و لا أخيه فقد أصيب هو الآخر بنفس المرض وكان طريح الفراش.

  هى أول من رأته و هم يضعوه في سيارة  الإسعاف، و رأت وجهه بعد أن غسلوه ووضعوه  في الكفن، لم تصدق ما حدث ما بين ذهول و هول المفاجأة كيف؟ الآن هو ساكن مجرد جثة هامدة ياربي اهذا هو الذي كان يفتعل لنا المشكلات و يصب علينا النكد صبا؟ و لم يتركنا في حالنا رغم كل ما أفسده،  و عينيها ترقرقان بالدموع لاتدري ما بها، و ما هذا الوجع الذي تشعر به داخلها لا تدري حزنا عليه أم على حياتهما أم على غدره بها، مشاعر متداخلة ببعضها، تشبه الألوان التي إنسكبت فوق بعضها.

ثم ترافقه حتى أدوا صلاة الجنازة عليه.

مازالت تتساءل هل أراد الله أن تودعه كما بدأت معه؟

أم أن روحه متعلقة بها أم يطلب منها أن تسامحه؟

لما أراد الله و جودها بجانبه و تكون الأولى والأخيرة في  وداعه؟

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.